منتديات النجوم ستار
اهلا وسهلا ومرحبا بك نتشرف كتير بزيارتك ونشرف اكتر بانضمامك لعائلة النجوم ستار

عباد الله الصالحين و الخاشعين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

عباد الله الصالحين و الخاشعين

مُساهمة من طرف الكتكوتة شمس47 في الخميس أكتوبر 29, 2009 11:49 am

صورمن الخشوع في حياة الصحابة والتابعين


( إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ . وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ . أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ )[ المؤمنون :57-61]

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : كان رسول يقول : " اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع ، ومن دعاء لا يُسمع ، ومن نفس لا تشبع ، ومن علم لا ينفع ، أعوذ بك من هؤلاء الأربع " [ أخرجه الترمذي وقال حديث حسنٌ صحيح ](1)

لقد كانت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم المثل الأوفى للخشوع ، ولغيره من قواعد الإيمان . وكان الرسول صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة للمؤمنين أبد الدهر . وكان الخشوع سمة بارزة في حياته . كيف لا ؟! وعائشة رضي الله عنها تقول : " كان خلقه القرآن " ! كيف لا ؟! والقرآن تتلى آياته وفيها : (لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ )[ الأنعام : 163 ]، كيف لا ؟ وكان يقوم الليل حتى تنتفخ قدماه : فعن المغيرة بن شعبـة رضي الله عنه قال : " صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه " . فقيل له أتتكلَّف هذا وقد غُفـر لك ما تقدّم من ذنبـك وما تأخـر ؟! قال : ( أفلا أكون عبداً شكوراً ) [ أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة ](2)

فهو خشوع ممتد في ميادين الحياة كلها :( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [ الأنعام : 162]

ولقد علّم الرسول صلى الله عليه وسلم تلامذته أصحابه الخشوع وأحواله وآدابه . وعلمهم إياها نظرياً وممارسة وتطبيقاً ، حتى كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم نماذج امتدت في الأرض تحمل رسالة الله وتعلِّم الناس . وحمل الرسالة من بعدهم التابعون ، وامتدت هذه المهمة العظيمة يحملها أئمة الإسلام مع الدهر كله ، ويظل النبي العظيم محمد صلى الله عليه وسلم هو القدوة الحسنة لهم ولنا وللناس جميعاً .

إنك لتجد الخشوع في حياة هؤلاء الصحابة الأبرار ، والتابعين الأخيار ، والأئمة الأعلام في صلاتهم ونسكهم ، وفي ميادين التجارة والسعي ، وفي البيت والشارع ، وفي ميادين الجهاد ، وفي الحكم والسياسة ، وفي كل ميدان .

فعندما توفي النبي صلى الله عليه وسلم اضطرب صفّ المسلمين حتى قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأنكر موته . لما جاء أبو بكر رضي الله عنه ، دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجَّى في بيت عائشة رضي الله عنها ، فكشف عن وجهه وقبّله وقال : " بأبي أنت وأمّي . أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها ، ثمَّ لن تصيبك بعدها موتة أبداً " ! ثمَّ ردَّ الثوب على وجهه وخرج وعمر يكلّم الناس . فقال أبو بكر : على رسلك يا عمر ! أنصتْ ! ثمَّ تكلَّم فأقبل عليه الناس ثمَّ قـال : " أيها الناس من كان يعبد محمداً فإنَّ محمّداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حيّ لا يموت " ، ثمَّ تلا الآية :( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) [ آل عمران :144].

هنا ، في موقف عظيم رهيب ، موقف ينتقل فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، فيضطرب الناس ومن بينهم عمر رضي الله عنه . هنا في رهبة الموت وعظمة النبوّة الخاتمة ، ارتبط قلب أبي بكر بربّه وخالقه ، ووعي حقيقة الإيمان والتوحيد ، واجتمع في قلبه ما تعلّمه من مدرسة النبوّة ، فخشع لربّه وقال كلمة الحق ، وقلبه متصل بالله إيماناً ويقيناً وتوحيداً ، وقلبه يعمره العلم الحق ، فكان الخشوع طمأنينة وتسليماً ! هذا هو الخشوع بين يدي الله سبحانه وتعالى في المواقف الجلية التي تهزّ !

ولا ننسى سمة الخشوع في حياة أبي بكر ، في صلاته ونسكه وتلاوته القرآن الكريم . ولمَّا ازداد مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس " فقالت عائشة رضي الله عنها : " إنَّ أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء ..." ! وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجل الخشوع والإنابة في صلاته وقيامه ، وفي صحبته للنبوّة الخاتمة ، وفي الفتوح التي دفع جيوش المسلمين لها ، وفي عام الرمادة ، وفي القضاء ، وفي وصاياه للجيوش وقادتها وللولاة . ونأخذ مثلاً من وصاياه للخليفة من بعده :" ..... وأوصيك بتقوى الله وشدّة الحذر منه ومخافة مقته ، أن يطلع منك على ريبة ، وأوصيك أن تخشى الله في الناس ، ولا تخشى الناس في الله ، وأوصيك بالعدل في الرعية ، والتفرّغ لحوائجهم وثغورهم ، ولا تؤثر غنيّهم على فقيرهم .. "

وهذا عمر رضي الله عنه ، عندما طُعن في صلاة الفجر ، وبعد أن طُعن ، وهو في أيامه الأخيرة ، ظلَّ ذاكراً لله ، خائفاً منه ، راجياً رحمته ، خاشعاً في كلِّ حالاته ، ينظر في أمور المسلمين ، يُنظم الشورى ليُختار خليفة من بعده .

فلمَّا احتمل وسأل عمّن قتله ، وعلم أنه غـلام المغيرة بن شعبـة ، قال : " الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجّني عند الله بسجدة سجدها له قط " . وبعث عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما ليستطلع خبر الناس أله ذنـب إلى الناس لم يعلمه . ولما علم أنه ميت ولا شفاء لجرحه ، جمع أهله وقال : ألم تسمعوا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يعذّب الميّت ببكاء أهله عليه ) .

ولمَّا حاول عبد الله بن عباس أن يطمئنه بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبة أبي بكر ، وبما عمل من خير ، وكان مما قاله عند ذاك : ( ..... والله لو أنَّ لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله عز وجل قبل أن أراه ) .

ومما قاله : " ... وما أصبحت أخاف على نفسي إلا إمارتكم هذه " . وقال : " والذي نفسي بيده لوددت أني خرجت منها كما دخلت فيها ( أي الإمارة ) لا أجر ولا وزر " .

أيام عمر رضي الله عنه كانت فيما نعلم كلها خشوعاً .

وأيام وفاته كانت كل لحظة فيها دروساً عالية في الخشوع والإنابة ، والخشية والإخبات ، في تفكير دائم ، ونظر دائم ، في أمره وهو يغادر الدنيا ، وفي أمر المسلمين وهو يفارقهم إلى لقاء ربه .

وعثمان بن عفان رضي الله عنه كان مثلاً في الخشوع وخاصة في بذله وإنفاقه . فحين حثَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس على جيش العسرة في غزوة تبوك ، قال عثمان رضي الله عنه : عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها " . ثمَّ حثَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال عثمان : " عليَّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ضرَّ عثمان ما فعل بعد هذا " .

وعن هانئ مولى عثمان قال : كان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبلّ لحيته . فقيل له : تذكر الجنَّة والنار فلا تبكي وتبكي من هذا . فقال إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنَّ القبر أول منازل الآخرة ، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه ، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه . ما رأيت منظراً قط إلا القبر أفظع منه ) [ رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم ]

وحياة علي بن أبي طالب رضي الله عنه تقدّم للبشرية نماذج رائعة من الخشوع في أمره كله : في صلاته وشعائره ونسكه ، في بيته ، في جهاده ، في خلوته ، في لبسه وطعامه . وحسبه أن قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ) .

وأعظم ما يظهر الخشوع فيه صدق أداء الشعائر وعلى رأسها الصلاة ، والجهاد في سبيل الله عن إيمان وعلم وتقوى ، وبذل صادق ، ونهج واضح جليّ ، ودعوة لله خالصة ، وتعهُّد وبناء وإعداد ، وجمع لكلمة المؤمنين الخاشعين ، وإماته الفتنة والتفرّق والشتات . ثم يمضي الخُشوع من الصلاة والشعائر إلى جميع ميادين الحيـاة حتى يبلغ ذروته حين يقدّم المؤمن ماله وروحه في سبيل الله ، حتى كأن الخشوع نهج حياة ممتدة.

فعمر بن عبد العزيز بعد أن ولي أمر المسلمين وأصبح خليفتهم ، ضرب أروع الأمثلة في الخشوع وأغناها . ولما جاء الفقهاء إلى زوجته فاطمة بنت عبد الملك بن مروان يعزونها بوفاة خليفتهم ، سألوها عن حياته في بيته فقالت : " والله ما كان عمر بأكثركم صلاة ولا صياماً ولكنّي والله ما رأيت عبداً لله قط كان أشد خوفاً لله من عمر " .

وعن سعيد بن جُبير قال : سمعت أنس بن مالك يقول : ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى ، يعني عمر بن عبد العزيز ، فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر تسبيحات .

وذكر الإمام الجوزي أن عمر بن عبد العزيز كان كثير البكاء . فلما سئل عن ذلك قال : " إني أذكر منصرف الخلائق بين يدي الله ، فريق في الجنة وفريق في السعير " ثم غشي عليه .

وَأَخْشَـعَ ...! وَالدُّنْيا خُشوعٌ وَأَوْبَـةٌ
وتَسْبيـحُ أَكْـوَانٍ ورَجْـعُ شُــدَاة
وَإنَّـكَ تَعْفُـو عن كَثيـرٍ فَنجـنّـي
بعَفْوك...! دُونَ العفْوِ..أَيْنَ نَجَاتـي..!
وَهَبْ ليَ يَا رَبّي بِـفَضْـلِكَ رَحْمَـةً
لِتَغْسِـلَ مِنْ إثمي ... ومِنْ سَقَطَاتـي
وَهَبْ لِيَ أَمْنـاً يَمْلأُ القَلْـبَ بِشْـرُه
سَكِيْنَـة إِيْمـانٍ ...وَعَـزْمَ ثَبَـاتِ (3)


وفي التابعين نماذج رائعة شتى من الخشوع الممتد في ميادين الحياة .

دخل ابن عروة على اصطبل الوليد ليتفرج على جياده الصافنات . فرمحته دابّة رمحة قاضية أودت بحياته . ولم يكد عروة ينفض يديه من دفن ولده ، حتى أصابت إحدى قدميه الآكلة (داء يصيب العضو فيأكل منه ) فتورّمت ساقه واشتدّ الورم بسرعة مذهلة . وأجمع الأطباء على ضرورة بتر ساقه قبل أن يمتد الورم إلى جسده كله فيقضي عليه . ورفض أن يأخذ مسكراً أو مخدراً ، أو أن يمسك به الرجال ليثبتوه إن اشتدّ به الألم عند بتر ساقه . رفض ذلك كله وقال : لا حاجة لي بذلك ، وإني لأرجو أن أَكفيكم ذلك بالذكر والتسبيح . فقطع الطبيب اللحم ، ثم طفق ينشر العظم بالمنشار ، وعروة يقول : لا إله إلا الله ، الله أكبر ، وما فتئ الجراح ينشر وعروة يهلل ويكبر .. ! ثم أُغلى الزيت في مغارف الحديد ، وغُمُستْ به ساق عروة لإيقاف تدفّق الدماء ، ولحسْم الجراح ، فأُغْمِيَ عليه إغماءة طويلة حالت دونه ودون قراءة حصته من كتاب الله ذلك اليوم وكانت المرة الوحيدة التي فاته فيها ذلك الخير منذ صدر شبابه .

وعبد الله بن عون (ت 51هـ) ، كان مثلاً يحتذي في التابعين . قال عنه روح بن عبادة : " ما رأيت أعبد من ابن عون " . وقال ابن المبارك : ما رأيت مصلياً مثل ابن عون . كان ورعاً مترفعاً عن الدنيا ، حابساً للسانه ، حليماً ، زاهداً خاشعاً مخبتاً لله مجاهداً في سبيل الله "(4) .

الخشوع لا يتوقف عند حدٍ ، إنه ليس سمة فرد فحسب ، ولا سمة أمة فحسب . إنه سمة الكون كله ، سمة السموات والأرض ومن فيهن ، والخشوع في ميزان الإسلام لا ينحصر في هذه الحياة الدنيا ، ولا ينحصر في حياة الإنسان المؤمن . إنه يمتد لجميع أرجاء الكون ، ويمتد كذلك إلى الآخرة :

( لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) [ الحشر :21 ]

يقف المؤمن مع هذه الآية الكريمة يتدبر كيف أن الجبل يخشع من خشية الله . هذه هي الخشية الصادقة التي تبعث الخشية في الجماد ، في الجبال . وتكون هذه الخشية وهذا الخشوع صادقين حتى أن الجبل يتصدّع ! كيف لا ؟! وكل شي في الكون من إنسان أو حيوان أو طائر أو جماد يسبح بحمد الله :( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ فصلت :39]

عجباً ؟! أتخشع الأرض والسموات و الجماد والحيوان ولا يخشع الإنسان؟! إن الذين لا يخشعون لله من بني آدم كتب الله عليهم هذا الهوان والذلّ ، لأنهم يستحقونه بميزان الله الحق العادل الذي لا يظلم .

ومن رحمة الله على عباده أن بعث محمداً صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً ليبلغ الرسالة من ناحية وليبيّنها لهم من ناحية أخرى ، وليقدّم الأسوة الحسنة في التطبيق والممارسة لمنهاج الله من ناحية ثالثة . ثلاث مهمات مترابطة للنبوة . وتكون ممارسة النبوة لمنهاج الله هي المثل الأكمل للممارسة الإيمانية تتعلم البشرية كلها منها .

واجبنا إذن ، من واجب الدعوة الإسلامية ، من أول واجباتها ، أن تعلم المسلم مسؤولياته وواجباته والتكاليف المنوطة به ، وأن تدربه على النهوض لها وممارستها وفق منهج واضح جلي ، حتى لا يبقى المسلم إمعة مشلول القوى ، معطل التفكير !

كيف يأتي الخشوع الحق للمسلم إذا كان مشلول القوى ، معطل التفكير حانياً رأسه في الصلاة وخارج الصلاة ، مغمض العينين في الصلاة وخارج الصلاة ، عازفاً أو غارقاً في لهوة أو غفوته .

والخشوع ليس عملاً ليناً يسيراً . إنه معاناة في النفس ، وصبر على طاعة الله ، وصبر على الابتلاء ، وبذل وجهاد ، ومجاهدة للنفس ومقاومة الأهواء ، وعمل دائب مستمر لا ينقطع . إنه ليس خلوداً لراحة ، والكسل ، ولا استسلاماً للهوان ولا هروباً من التكاليف الشرعية ، ولا اللجوء إلى التكاليف غير ذات الشوكة ، ولا الانغماس في الوهم والخيال ، ولا بنقض العهود وخيانتها .

خَشَعْـتُ إلـى الرحمن جَفْنـاً مُبلَّـلاً
وكَفّـاً نَـدِيّـاً ضَـارعَ الـرَّعشـاتِ
وقَلْبـاً .. بِهِ مِنْ خَشْيَـةِ الله رَجَفَـةٌ
ومِـنْ ذِكْـرِه أمْـنٌ وظَـنٌّ نَجاتـي
وَعَوْنٍ مِنَ الرّحمن ، لولاهُ ما اهْتَدى
فُـؤَادٌ وَلا نَـال الفَـتَـى حَسَنَـاتِ
إذا نِلْـتُ مِنْ خَيْـرٍ فَـذَلِـكَ فَضْلُـهُ
وَإِنْ مَسَّني سُـوءٌ فَمِـنْ عَثَـراتـي
أتُوبُ إلى الرَّحمن ..! يَا فَوْزَ تَائِـبٍ
إذا وَسِعَـتْـهُ رَحْمَـةٌ بِـنَـجَـاةِ ([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط])


وخلاصة ذلك أن الخشوع هو إقبال المؤمن على ربّه إقبال الخضوع والذلة والإقرار أمام جلال الإلوهية والربوبية ، وأمام الإقرار بعبودية المخلوق لربه وخالقه الله الذي لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى كلها ، وأمام إدراك حقيقة الحياة الدنيا ، وأنَّها دار متاع وعرض زائل ، وأمام حقيقة الموت والقبر والساعة والبعث والحساب والجنة والنار ، وأمام المسؤولية الكبرى التي يحملها ، والأمانة العظيمة التي سيحاسب عليها .

إن الخشوع نور ووعي ويقظة . بل هو أعلى درجات الوعي واليقظة وإدراك الحق .

عن الخشوع في السيرة النبوية العطرة ..

حديث ابن العباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " عينان لا تمسهما النار عين بكت في جوف الليل من خشية الله ، وعين باتت تحرس في سبيل الله " .

وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يلج ـ أي لا يدخل ـ النار رجل بكى من خشية الله تعالى حتى يعود اللبن في الضرع ، ولا يجتمع غبار سبيل الله ودخان جهنم " .

قال الله سبحانه وتعالى ‏:‏ وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين ‏,‏ إن أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة ‏,‏ وإن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة .

يا ربّ! فاهـدِ قلـوبَ المسلمين إلى
هُـداكَ صفّـاً إلى الميـدان يبتـدرُ
يجلو لنا النَّصْر في سَاحاتـه أمـلاً
تحقّقَـتْ فيـه من أَشواقنـا العِبَـرُ
آياً من الله ! إذ يمضي الزمان بهـا
يروي فيصغـي إلى آياتهـا البشـرُ
في أُمّـةٍ لم تـزل تبنـي بطولتهـا
مجـداً يعِـزُّ وفرسانـاً لها نَفَـرُوا
رسـالـة الله للـدنيـا نُبَلـِّغُـهـا
أمـانـة حَمَلتْهـا الأنفـسَ الصَبُـر
كأنَّهم في الدجى الأقمارُ قد طلعـتْ
تزيـح من ظلمة فيـه وتنتشِـرُ (6)


ومن أهم معاني الخشوع المضيّ على الصراط المستقيم يوفي العبد بعهده مع الله ، وبالتكاليف المنوطة به ، نظره معلق بالآخرة لا بالدنيا ، لا يهبط بالمعاني التي يزينها له الشيطان أبداً .


(1) الترمذي : كتاب الدعوات (49) . باب (69) . حديث (93478) .


(2) البخاري : كتاب التهجد (19) ، باب (6) ، حديث (1130) . مسلم : كتاب (50) ، باب (18) حديث (2819) . الترمذي : كتاب أبواب الصلاة (2) ، باب (192) ، حديث (412) .


(3) من ديوان : جراح على الدرب ـ قصيدة : دُعَاء في جَوف اللَّيل ودَمْعَةٌ ـ للدكتور عدنان علي رضا النحوي .


(4) ومضات من حيات العلماء العباد ـ ربيع بن محمد السعودية . ط1(1413هـ /1993م) .


(5) من ديوان جراح على الدرب ـ قصيدة : نَجْوَى في خُشوعٍ وتَوْبة ـ للدكتور عدنان علي رضا النحوي .


(6) من كتاب : فلسطين وصلاح الدين ـ قصيدة : أيقِظْ إذنْ أنْفساً ـ للدكتور عدنان علي رضا النحوي .
avatar
الكتكوتة شمس47

عدد المساهمات : 66
نقاط : 167
الكفاءة : 0
تاريخ التسجيل : 04/08/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى